سيد محمد طنطاوي

216

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والبخل معنيين لا يدر كان بالحس . عبر عنهما بلازمهما لفائدة الإيضاح والانتقال من المعنويات إلى المحسوسات « 1 » . وقوله : * ( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا ) * دعاء عليهم بالشح المرير والبخل الشنيع بأن يخلق - سبحانه - فيهم الشح الذي يجعلهم منبوذين من الناس ومن ثم كان اليهود أبخل خلق اللَّه ، وحكم عليهم بالطرد من رحمة اللَّه - تعالى - بسبب سوء أدبهم معه - سبحانه - وجحودهم لنعمه . وهذه الجملة تعليم من اللَّه لنا بأن ندعو على من فسدت قلوبهم ، وأساؤا الأدب مع خالقهم ورازقهم ، فقالوا في شأنه ما هو منزه عنه - تعالى اللَّه عما يقولون علوا كبيرا . قال الآلوسي ما ملخصه : ويجوز أن يكون المراد بغل الأيدي الحقيقة ، بأن يغلوا في الدنيا أسارى - وفي الآخرة معذبين في أغلال جهنم . ومناسبة هذا لما قبله حينئذ من حيث اللفظ فقط فيكون تجنيسا . وقيل من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز كما تقوله : سبني سب اللَّه دابره أي قطعه ، لأن السب أصله القطع « 2 » . وقوله : * ( بَلْ يَداه مَبْسُوطَتانِ ) * معطوف على مقدر يقتضيه المقام ، وتكذيب لهم فيما قالوه من باطل . والمعنى : كلا - أيها اليهود - ليس الأمر كما زعمتم من قول باطل ، بل هو - سبحانه - الواسع الفضل ، الجزيل العطاء ، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه . فبسط اليد هنا كناية عن الجود والفضل والإنعام منه - سبحانه - على خلقه . وعبر بالمثنى فقال : * ( بَلْ يَداه ) * للإشارة إلى كثرة الفيض والإنعام ، لأن الجواد السخي إذا أراد أن يبالغ في العطاء أعطى بكلتا يديه . قال ابن كثير قوله : * ( بَلْ يَداه مَبْسُوطَتانِ ) * أي : بل هو الواسع الفضل . الذي ما يخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له . كما قال : وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّه لا تُحْصُوها إِنَّ الإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ والآيات في هذا كثيرة . وقد روى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « إن يمين اللَّه ملأى لا يغيضها نفقة - أي لا ينقصها الإنفاق - سحاء - أي مليئة - الليل والنهار . أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض ، فإنه لم يغض ما في يمينه . وكان عرشه على الماء ، وفي يده الأخرى

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 655 ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 108